أولمرت وقلبه الرقيق

أولمرت وقلبه الرقيق

 

اولمرت يبكي

 

تناولت الصحف ووكالات الأنباء قبل أيام نبأ بكاء رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت عند مشاهدته استغاثة أب فلسطيني عبر لقطات تلفزيونية حية بعد استشهاد بناته الثلاث خلال العدوان الاسرائيلي الأخير على غزة، وقال أولمرت: “بكيت عندما شاهدت ذلك، من منكم لا يبكي لذلك؟”.

 

قرأت الخبرَ عشرات المرات في عشرات المصادر لكي أتأكد من صحّته، أو لكي أتأكد من أنني لم أصَب بالجنون بعد وأنني لازلتُ بكامل قواي العقلية وأدركُ ما يحدث حولي، ولكن يبدو أن الذي أصيبَ فعلاً بالجنون هو أولمرت، “قتل القتيل ومشي بجنازته”.

 

لم أجد تصويراً لأولمرت وهو يبكي لكنّي بلا شك أستطيع تصوُّرَهُ لوحدي.

 

ربما حدثت مشاجرة بين أولمرت وزوجته فـ “طَفَشَت” من المنزل ليجدَ أولمرت نفسه وحيداً فقرَّرَ أن يقضي بعضاً من وقته على التلفاز، وأصبحَ يُقلّبُ القنوات واحدةَ تلو الأخرى ليَستقِرَّ نظرهُ على قناة الجزيرة التي لا تتردد أبداً في أن تنشر صوراً حيّة للشهداء مُضرجينَ بدمائهم، فشاهَدَ أولمرت الأب الفلسطيني وهو يستغيث بعد استشهاد بناته الثلاث، وتحرَّكَت مشاعره على “غفلة” فأجهَشَ بالبُّكاء.

 

لم يستطع قلب أولمرت “الضعيف” من أن يُشاهِدَ هذه المناظرَ أكثر، فقام بتغيير القناة ولكنّ الصورة المأساوية التي رآها لم تغادر ذاكرته ولا عينيه، ولم يتوقف عن البكاء.

 

فجأة، سَمِعَ أولمرت صوتَ ضجيجٍ في الخارج ففتح الباب ليجد “ليفني” جالسةً على الأرض في حديقة المنزل منكوشة الشعرِ “تلطم” وتصرخ وتنوحُ وتمزّقُ ثيابَها وتشدُّ شعرها وتضرب وجهها بيدها وكُحلُ عينَيها ذائبٌ مع دموع غزيرةٍ حُزناً على ما شاهدت في التلفاز من مشاهدَ دَموية بعد أن “عَتَقَ” اللهُ زوجها الذي طلّقها إثر شجار جرى بينهما.

 

لم يستطع أولمرت ذو القلب الضعيف أن يَتحمّل كل هذا فأغلقَ الباب بقوة في وجه ليفني التي ما لبثت أن تُكمِلَ بكاءها حتى أصيبت بحالة نفسية صعبة وأغميَ عليها من هَولِ الصدمة.

 

مضت ساعات على أولمرت وهو في المنزل وحيداً لم تُغادر صورة الأب الفلسطيني ذاكرته، فحلَّ الليلُ وبدأ أولمرت يشعر بالوحدة أكثر وبالخوفِ أيضاً، فقرر أن يذهب لقضاء ليلته في منزل وزير الدفاع الاسرائيلي إيهود باراك.

 

استقلّ سيارته وانطلق مُتوجّهاً إلى حيث يقطُنُ “باراك”، وبعد وصوله ظلَّ يدقُّ البابَ مدة طويلة ولكن ليسَ من مُجيب، ففتح البابَ لوحده ودخل منزلَ “باراك” فجحظت عيناه وانشلّت حركته وتوقّف تنفُّسُه للحظات بعدما رأى “باراك” وهو مشنوق في غرفته بحبلٍ يبدو أنه صنعه لينتحرَ به، وفي أرضية الغرفة ما يُقارِبُ الألفَ كأسٍ من الخمر بكل أنواعه والتلفاز مُشتَعلٌ على قناة الجزيرة وخصوصاً المشاهد الدموية لشهداء غزة، يبدو أن حالة الدمار التي وصل إليها باراك أفقدته السيطرة على أعصابه فقام بالانتحار.

 

غادَرَ أولمرت منزلَ “باراك” مُسرٍعاً إلى بيته، فسارَعَ في الاتصال بالرئيس الأمريكي السابق حبيب قلبه “جورج بوش” ولكن لم يستطع أولمرت أن يسمع كلمةً واحدة من “بوش”، فقد كان الأخير مُنهاراً من كثرة البكاء فأغلَقَ أولمرت الخط “بخلقته” واتصل فوراً بوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس حيث أجابَت سكرتيرتها قائلةً إن رايس نُقلت إلى العناية المركزة بعد أن قامت بتقطيع شرايين يدها إثر نوبة جنون أصابتها عندما سَمِعَت بخبر الأب الفلسطيني الذي كان يستغيث بعد استشهاد بناته.

 

على حد تعبيره، قال أولمرت: “من منكم لا يبكي لذلك؟”.. وأنا أقول: سَنَسخرُ منكَ ما دُمنا على قيدِ الحياة، وإن توفّانا الله، سنبقى نسخرُ منك يا أولمرت بكتاباتنا التي لن تنضَب، ضَحِكتُ على هذا الخبر، من منكم لا يضحك على ذلك؟

 

أسامة الرمح
25th Of Jan 2009

(Visited 533 times, 1 visits today)